كيف سيصبح التركيز أكثر ندرة وأعلى قيمة للأفــــراد والقــــادة والشركــــات؟
«وفـــــــــــرة المعلومــــــات تخلق فقـــــــرًا في الانتــبـــاه.»
بهذه المقولة أشار هربرت سايمون عالم الإقتصاد والحائز على جائزة نوبل في كتابه Computers, Communications, and the Public Interest إلى آثار زيادة المعرفة ووفرتها على الانتباه وكان ذلك عام 1971 من القرن الماضى!

وهكذا أصبح حالنا بالفعل بعد أن توفر لنا من المعلومات أكثر مما يمكننا قراءته، ومن الأفكار أكثر مما يمكننا تطبيقه،
ومن الفرص أكثر مما يمكننا متابعته، ومن النصائح أكثر مما يمكننا اختبار فائدته.
لكن قبل أن نتحدث عن المستقبل .. كيف كانت الصورة بالأمس القريب؟
قبل عقدين فقط من الزمان .. كان العالم يستطيع أن ينتظر قليلًا، وكان الخبر يفوتك، فتسمعه في نشرة المساء أو تقرأه في صحيفة الصباح، وتستمر الحياة بشكل طبيعي.
وكان الاجتماع ينتهي، ثم يعود كل شخص إلى عمله من غير عشرات الرسائل والتعديلات والمتابعات التي تصل إليه قبل أن يبلغ مكتبه.
بالطبع كانت المشتتات موجودة، لكنها كانت أبطأ وأقل التصاقًا بنا، وأسهل في وضع مسافة بينها وبين يومنا.
أما اليوم، فالعالم كله تقريبًا يطالب بحقه في الاستيلاء على انتباهك!!
خبر عاجل.
مقطع مقترح.
رسائل جديدة كل لحظات.
وفكرة ظهرت أمامك، ويمكن أن تتحول خلال دقائق إلى مشروع جديد كامل.
كل شيء يصل إليك بسرعة، وكل شيء يطلب منك أن تراه الآن.
وإذا لم تواكب ذلك ربما تشعر بالخوف من أن يفوتك شيء.
ومن هنا بدأت التغيرات الكبرى تجاه التركيز والحاجة إليه، فأصبحنا في عالم مشتت ..
عالم نعمل فيه معظم اليوم لكن محصلة ما ننجزه لا يتعدى ما ننجزه حينما نغلق أبواب التشتت لساعتين فقط.
وإذا استمر الأمر بنفس هذه الوتيرة المتسارعة، فحينها لن نتوقف عند ذلك الحد، بل سيزداد الأمر صعوبة من وجهة نظري
فخلال السنوات الخمس القادمة، سيزداد الضغط على انتباهنا مع تضاعف المحتوى والرسائل والخيارات التي ينتجها الإنسان والذكاء الاصطناعي. وسيصبح التركيز أكثر ندرة وأعلى قيمة؛ لأنه سيحدد جودة قرارات الأفراد، وقدرة القادة على توجيه فرقهم، وقدرة الشركات على تحويل كثرة الإمكانات إلى نتائج مكتملة.
عندما كانت المعلومات = الندرة
لقرون طويلة، امتلك الشخص الذي يصل إلى المعلومة ميزة كبيرة.
احتاج التعلم إلى كتاب قد يصعب العثور عليه، أو معلم تستطيع الوصول إليه، أو تجربة تستغرق سنوات حتى تتكون.
وكانت المؤسسات تمتلك قيمة إضافية بسبب ما لديها من بيانات وخبرات ومعلومات يصعب على الآخرين الحصول عليها.
ثم جاء الإنترنت، وأصبح الوصول إلى المعرفة أسرع وأسهل.
وبعده جاءت الهواتف الذكية، فانتقلت المعلومات من أجهزة نذهب إليها إلى أجهزة ترافقنا طوال اليوم.
ومع المنصات الاجتماعية، دخلنا مرحلة أصبح فيها كل شخص قادرًا على النشر،
وكل شركة قادرة على الوصول، وكل حدث قادرًا على ملاحقتنا أينما ذهبنا.
تغيرت الندرة تدريجيًا.
أصبح أمامنا من المعلومات أكثر مما يمكننا قراءته، ومن الأفكار أكثر مما يمكننا تطبيقه،
ومن الفرص أكثر مما يمكننا متابعته، ومن النصائح أكثر مما يمكننا اختبار فائدته.
ومع كل زيادة في المتاح، أصبح الاختيار أصعب.
أي كتاب تقرأ؟
أي فكرة تطبق؟
أي فرصة تستحق وقتك؟
أي مشروع يبدأ الآن؟
وأي ملف ينبغي أن يُغلق حتى يحصل غيره على ما يكفي من الوقت والطاقة والانتباه؟
هذه الأسئلة هي المدخل الحقيقي لفهم كيف سيكون مستقبل التركيز.
حاضرنا: يوم ممتلئ وانتباه مشتت
تبدو المشكلة عندما نمسك الهاتف كل بضع دقائق،
لكن الهاتف يمثل جزءًا واحدًا من المشهد، فالبريد الإلكتروني، وتطبيقات المحادثة، ومنصات إدارة المشروعات، والاجتماعات المتتابعة، ولوحات المتابعة، والتقارير، والمكالمات المفاجئة، وسهولة وصول الجميع إلى الجميع في أي وقت.
بحسب بيانات نشرتها Microsoft عام 2025، تتلقى الشريحة الأعلى تعرضًا للإشعارات من مستخدمي Microsoft 365 مقاطعة رقمية كل دقيقتين تقريبًا خلال ساعات العمل، ما بين اجتماع أو بريد إلكتروني أو رسالة. ويخص هذا الرقم أكثر 20% من المستخدمين تلقيًا لهذه التنبيهات، لذلك يعكس الطرف الأكثر ازدحامًا من بيئات العمل الحديثة، ويعطينا في الوقت نفسه صورة عمّا يمكن أن يصل إليه يوم العمل عندما يغيب تصميم واضح لحماية الانتباه. Microsoft Work Trend Index 2025
وتتجاوز التكلفة عدد التنبيهات نفسها، فكل مقاطعة تحمل معها احتمال الانتقال إلى ملف جديد.
وكل ملف جديد يترك في الذهن سؤالًا مفتوحًا أو قرارًا مؤجلًا أو خطوة تحتاج إلى متابعة.
هنا يصبح يوم العمل ممتلئًا بالحركة، وتصبح النتائج أقل من حجم الوقت والطاقة المبذولين.
وهنا أيضًا تظهر إحدى أصعب مشكلات القادة والمديرين:
كل الملفات تبدو مهمة.
كل الأقسام لديها مطالب عاجلة.
كل مشروع يمتلك مبررات قوية.
وكل تأجيل له تكلفة.
وعندما تتساوى الأولويات، وخشينا من فقد الأشياء والفرص يتوزع انتباهنا بينها، ويصير التقدم أبطأ وأبطأ بمرور الوقت هذا في أحسن الأحوال.
أما السائد فهو التوقف مرارًا والوصول لمرحلة من الإرهاق والخوف من اتخاذ القرارات
فنترك الأمور تسير كما هي على وضع الطيار الآلي.
الذكاء الاصطناعي سيضاعف الوفرة
دخلنا الآن مرحلة جديدة.
في الماضي القريب، كان إعداد تقرير أو تحليل أو عرض تقديمي أو خطة أولية يحتاج إلى ساعات أو أيام.
اليوم، يستطيع الذكاء الاصطناعي إنشاء مسودة أولى خلال دقائق، واقتراح عشرات الأفكار،
وتلخيص مئات الصفحات، وبناء عدة سيناريوهات، وتحويل اجتماع طويل إلى قائمة من القرارات والمهام.
وبحسب تقرير Stanford AI Index لعام 2026، وصل تبني الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات إلى 88%، ووصلت تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى 53% من السكان خلال ثلاث سنوات. Stanford AI Index 2026
هذه القدرة ستزداد خلال السنوات القادمة.
سنتمكن من إنتاج محتوى أكثر، واختبار أفكار أكثر، وبناء نماذج أولية أسرع، وبدء مشروعات كان إطلاقها يحتاج إلى فرق كاملة.
وفي الوقت نفسه، سيحتاج كل ما يُنتج إلى شخص يراجع، ويختار، ويتحقق، ويقرر:
هل هذه المعلومة صحيحة؟
هل هذا الاقتراح يناسب السياق؟
هل هذه المبادرة تستحق أن تبدأ؟
هل هذا القرار يتفق مع الاتجاه الذي اخترناه؟
وما الذي سنؤجله أو نوقفه إذا قررنا المضي فيه؟
كلما انخفضت تكلفة إنتاج الأفكار والبدائل، ارتفعت قيمة القدرة على الحكم بينها.
وكلما أصبح بدء العمل أسرع، ازدادت أهمية حسم ما يستحق الاستمرار حتى يكتمل واستبعاد مالا فائدة منه.
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يختصر التقارير، وينظم المعلومات، ويتولى المهام المتكررة، ويحمي جزءًا من وقتنا.
ويمكنه أيضًا أن يفتح أمامنا عددًا أكبر من الاتجاهات والمبادرات والاحتمالات.
والنتيجة ستعتمد على وضوح الإنسان الذي يستخدمه، وعلى طريقة تصميم العمل من حوله.
أداة قوية في يد شخص مشتت قد تساعده على فتح ملفات أكثر، لكن الأداة نفسها في يد شخص يعرف ما يريد قد تمنحه مساحة أوسع للتفكير والإنجاز.
التركيز سيصبح رأس المال الحقيقي لا الوقت!
نحن معتادون على التعامل مع الوقت والمال والموظفين والتقنية باعتبارها موارد يجب إدارتها.
خلال السنوات القادمة، سيحصل الانتباه على مكان أكثر وضوحًا بين هذه الموارد.
لأن الوقت قد يكون موجودًا، بينما يتوزع الانتباه داخله على عشرات الأشياء.
وقد يمتلك الفريق عددًا كافيًا من الأشخاص، بينما تنتقل جهودهم باستمرار بين مبادرات كثيرة وهو ما يجعل الأثر محدودًا في الكثير من الأوقات.
قد تمتلك الشركة أحدث الأدوات، بينما تستخدمها في تسريع أعمال لم تحسم قيمتها وجدواها من البداية.
لهذا أرى أن التركيز سيصبح العنصر الأهم من أشكال رأس المال،
يمكن استثماره في مشكلة مهمة، فينتج فهمًا أعمق وقرارًا أفضل وعملًا أكثر إتقانًا.
أو استنزافه في الاستجابات المتلاحقة والملفات المتنافسة والمبادرات التي تبدأ ثم تفقد اتجاهها.
وسيظهر أثر هذا الرأس مال على ثلاثة مستويات.
أولًا: على مستوى الأفراد
سيزداد الفرق بين شخص يستهلك يومه في الاستجابة لما يظهر أمامه، وشخص يستطيع توجيه انتباهه بوعي.
كلاهما قد يستخدم الأدوات نفسها، ويعمل عدد الساعات نفسه، ويحصل على المعلومات نفسها.
لكن الفرق سيظهر في:
- تمييز الغث من السمين.
- قدرة الفرد على تكوين رأي مستقل.
- مهارته في انتقاء المشاريع التي تستحق وقته.
- استمراره مع الأعمال الصعبة بعد انتهاء حماس البداية.
- وعدد الأشياء المهمة التي يستطيع أن يحققها، رغم تواصل القصف المعلوماتي!
لن يحتاج سوق العمل خلال السنوات القادمة إلى المهارات التقنية وحدها.
يشير تقرير مستقبل الوظائف 2025 إلى أن سبع شركات من كل عشر شركات تعدّ التفكير التحليلي مهارة أساسية،
مع استمرار ارتفاع أهمية التفكير الإبداعي، والمرونة، والقيادة، والتفكير المنظومي حتى عام 2030.
World Economic Forum — Future of Jobs Report 2025
ويمكن قراءة ذلك بوصفه مؤشرًا غير مباشر على قيمة الانتباه؛
لأن التحليل والإبداع وفهم الأنظمة واتخاذ القرارات تحتاج جميعها إلى عقل يحصل على مساحة كافية للبقاء مع المشكلة دون تشتيت.
وهذا ما سيصعب احتماله لأنه ممل ولأن العودة للذكاء الاصطناعي ومحاولة حل المشاكل معه أسهل “ظاهريًا”.
وقد بدأنا نرى بوادر ذلك حاليًا عندما يتعطل أو يتوقف أحد أدوات الذكاء الاصطناعي وكيف يكثر “اللـــطــم” أو “الحلطمة” كما يسميها اخواننا في الخليج
ثانيًا: على مستوى القادة
سيصبح القائد مسؤولًا بدرجة أكبر عن انتباه فريقه.
كل أولوية جديدة يعلنها تعيد توزيع الانتباه.
وكل اجتماع يضيفه يقتطع مساحة من عمل آخر.
وكل رسالة عاجلة يرسلها إلى مجموعة كبيرة تمنح موضوعًا واحدًا حق الدخول إلى عقول أشخاص متعددين.
وكل مبادرة يسمح لها بالاستمرار تستهلك جزءًا من وقت الفريق، حتى عندما فقدت قيمتها أو أصبحت فرصتها ضعيفة.
لهذا ستزداد أهمية دور القائد بوصفه مهندسًا لانتباه الفريق!
يحدد ما الذي يستحق التركيز الآن.
يقلل عدد الأولويات والملفات المفتوحة.
يضع قواعد واضحة للمقاطعات وسرعة الرد.
يحمي مساحات العمل التي تحتاج إلى تفكير متصل.
ويراجع باستمرار ما يستهلك وقت الفريق من غير أن يحقق نتيجة تتناسب معه.
قيمة القائد الحقيقية هنا تظهر في قدرته على توجيه الطاقة الجماعية نحو عدد محدود من الأهداف، ثم إبقائها هناك مدة كافية حتى تظهر النتائج.
ثالثًا: على مستوى الشركات
خلال السنوات الخمس القادمة، سيصبح التركيز قدرة تنظيمية.
بعض المؤسسات ستستمر في إضافة المشروعات والاجتماعات والقنوات والأدوات، حتى يتحول يوم الموظف إلى سلسلة متصلة من التنقل والاستجابة فتتجه لأسفل في انحدار وتدني مستمر،
ومؤسسات أخرى ستبدأ في تصميم بيئة عمل تدعم الانتباه لا تستولي عليه:
- عدد أقل من المبادرات المتزامنة لكنها الأهم فعلاً.
- معايير أوضح لبدء المشروعات وإيقافها.
- قواعد محددة لما يستحق اجتماعًا.
- مساحات محمية للعمل العميق.
- توقعات واضحة لسرعة الاستجابة.
- استخدام للذكاء الاصطناعي يقلل الأعباء المتكررة.
- قياس لما اكتمل وما حقق نتيجة، إلى جانب قياس حجم النشاط.
وسيتحول الفرق بين النوعين إلى فرق في سرعة التعلم، وجودة القرارات، وقدرة الفريق على تنفيذ الاستراتيجية.
كثير من الشركات تمتلك استراتيجيات وقيم وأفكار جيدة على الورق ..
لكن يبقى التحدي في مقدار الانتباه الذي يوجه لتنفيذ هذه الاستراتيجيات بعد أن تأخذ الاجتماعات والطوارئ والطلبات اليومية نصيبها من وقت الناس وطاقتهم.. فالاستراتيجية التي لا تحصل على انتباه كافٍ ستظل كلمات مرتبة داخل عرض تقديمي دون تنفيذ.
سيتسع معنى التركيز ليشمل أبعاد أخرى
عندما يسمع الناس كلمة «التركيز»، يفكر كثير منهم في الجلوس أمام مهمة واحدة، أو إغلاق الهاتف، أو استخدام مؤقت لمدة خمس وعشرين دقيقة، هذه ممارسات مفيدة نوعًا ما لكن لعصور سابقة.
أما بعد سنوات سيضم مستقبل التركيز نطاقًا أوسع يتكون من ثلاث محاور مترابطة:
1. تحــديد
أن نعرف على المستوى الفردي أو المؤسسي ما الذي يستحق وقتنا وانتباهنا في هذه المرحلة.
وسط وفرة الأفكار والفرص والطلبات، سيصبح الاختيار أول اختبار حقيقي للتركيز.
2. حمــاية
أن نتمكن من حماية ما اخترناه وتخصيص مساحة له داخل يومنا،
أن نحمي أهم أهدافنا من المشتتات بأنواعها (الداخلية والخارجية)
وحمايتها أيضًا من الرغبة المستمرة في الانتقال إلى شيء جديد، لأنه لن تتوقف الاحتمالات عن الظهور بالعكس ستـــــــزداد.
3. إنجــــاز
أن نستمر مع العمل رغم الغموض في بعض الأوقات، والملل في أوقات أخرى، وصعوبة بعض المراحل، حتى تتحول هذه الأولويات المحددة سابقًا إلى نتائج مكتملة.
وهذا هو المعنى الذي أراه في التركيز خلال السنوات القادمة: تحديد ما هو أهم، وحماية انتباهنا وأولوياتنا من المشتتات، وإنجازها.
ماذا يعني ذلك من الآن؟
في تصوري أعتقد أن السنوات الخمس القادمة ربما تمنحنا أدوات أقوى بكثير من الأدوات التي نملكها اليوم.
لكن قدرتنا البشرية على الانتباه ستظل محدودة.
لدينا عدد محدد من الساعات.
وطاقة تتغير خلال اليوم.
وعقل لا يستطيع أن يمنح عشرات الملفات المستوى نفسه من الحضور والعمق في الوقت نفسه.
لذلك يبدأ الاستعداد للمستقبل من قرارات تبدو صغيرة:
أن تختار عددًا أقل من الأولويات.
أن تغلق الملفات التي فقدت قيمتها.
أن تمنح الأعمال المعقدة وقتًا متصلًا.
أن تضع حدودًا لطريقة وصول الآخرين إليك.
أن تستخدم الذكاء الاصطناعي لخدمة اتجاه واضح.
وأن تسأل نفسك وفريقك بانتظام:
ما الذي يستنزف انتباهنا الآن؟ وكيف نصمم بيئة عمل تدعم العمل بتركيز على ما يهم فعلاً؟
ومع ندرة التركيز، سترتفع أيضًا تكلفة التشتّت
خلال السنوات القادمة، ستزداد سرعة الأدوات، وسيزداد معها عدد الرسائل والاقتراحات والفرص والمشروعات التي يمكن أن نبدأها.
وسيعمل كثير من الأفراد والفرق باستخدام تقنيات متقاربة، لكن النتائج ستختلف بقدر اختلاف قدرتهم على توجيه انتباههم.
على مستوى الأفراد، ستظهر هذه التكلفة في الوقت الذي يُستهلك في الاستجابة لكل ما يظهر،
وفي صعوبة الانتقاء بين الأفكار والفرص، وفي مشروعات كثيرة تبدأ ثم تتوقف، وأعمال مهمة تتأخر رغم امتلاء اليوم بالحركة.
وقد يجد الإنسان نفسه قادرًا على إنتاج المزيد بمساعدة الذكاء الاصطناعي، بينما تضعف قدرته على التفكير المستقل، أو البقاء مع مشكلة صعبة، أو تحديد ما يستحق أن يمنحه وقته من الأساس.
وعلى مستوى القادة، ستتحرك الفرق خلف كل طلب عاجل، أو مبادرة جديدة، أو اتجاه أصبح رائجًا.
وستتغير الأولويات سريعًا قبل أن تُختبر أو تكتمل، فيعمل الجميع كثيرًا بينما تتوزع طاقتهم بين عشرات الاتجاهات التي لا تحقق الأثر المرجو منها.
أما على مستوى الشركات، فستتراكم المشروعات والاجتماعات والملفات المفتوحة، ويتباطأ التنفيذ،
وتظل الاستراتيجيات حبيسة العروض التقديمية، بينما تُستهلك الموارد في نشاط مستمر لا ينتج عنه تقدم يتناسب مع حجم ما يبذل فيه من موارد.
وفي المقابل، سيمنح التركيز الأفراد قدرة أكبر على الانتقاء بوضوح، وتكوين رأي مستقل،
وإنجاز الأعمال المهمة بدلًا من استهلاك أيامهم في اتجاهات لا تحقق الأثر المطلوب.
وسيمنح القادة قدرة أوضح على توجيه فرقهم نحو الاتجاهات التي تصنع الفارق،
وحماية انتباههم من الطوارئ المصطنعة، وتغيير الأولويات المستمر، والانجراف خلف كل ترند جديد.
وسيمنح الشركات قدرة أعلى على تركيز مواردها في عدد محدود من المبادرات ذات القيمة،
وتحويل استراتيجياتها إلى أعمال مكتملة ونتائج يمكن رؤيتها وقياسها.
لهذا أرى أن التركيز سيصبح واحدًا من أهم أشكال رأس المال البشري والتنظيمي خلال السنوات الخمس القادمة.
وسيظهر الفارق بصورة أوضح بين من يترك انتباهه موزعًا على كل ما يطالبه به،
ومن يعرف ما يستحق انتباهه، ثم يحميه مدة كافية حتى يصنع به الفارق.
السؤال الذي يستحق أن نبدأ به من الآن:
هل نتعامل مع انتباهنا بوصفه رأس مال نختار أين نستثمره، أم ما زلنا نهدره دون وعي ودون نتائج وأثر حقيقي؟





