يروي المؤرخ سترابو أن خصوم جيش القائد الروماني بومبي تركوا أوعية بها عسل على الطريق الذي سيمرّ منه جنود هذا القائد الروماني.
تلقائيًا تناول الجنود العسل، لكنه كان مخلوطًا بمادة تضعف الوعي وتشوش الانتباه!
وعندما أصبحوا عاجزين عن المقاومة، هاجمهم أصحاب الكمين وقضوا عليهم.
عندما تأملت هذه القصة البسيطة .. وقارنتها بحال عدد من المدراء الذين يشتكون من عدم قدرتهم على الانفصال ذهنيًا عن العمل اكتشفت أنه كما أن هناك عسل مسموم، فهناك أيضًا إجازات مسمومة
الإجازة المسمومة من وجهة نظري هي التي تنتظرها لتستريح بعد عناء أسبوع طويل أو حتى بنهاية اليوم،
لكنك في واقع الأمر تملؤها بمهام إضافية لم تستطع أن تنتهي منها في خلال اليوم أو الأسبوع
ورغم أنك قد تبرر ذلك لنفسك بأن هذا يقلل العبء عليك لاحقًا إلا أنك تلقائيًا تعتاد هذا الأمر وبالتالي لا يعمل الدماغ بتركيز في العمل بل يعمل بعشوائية واطفاء حرائق وبدون نظام
العبرة ليست بكم الحرائق التي أطفأتها بل بالحرائق التي حللتها بشكل جذري فمنعتها تلقائيًا من أن تكون مصدرًا لتسميم إجازتك!
أؤمن الجري كل يوم ليس مؤشر إنجاز مهما كان عدد المهام التي تنجزها..
بل في كثير من الأحيان يكون دليل على ضعف الرؤية وعدم حل التحديات والمشكلات من جذورها
وينتج عن هذا أن تعمل على مائة شيء بخلاف الأشياء الصحيحة التي يجب فعلاً أن تعمل عليها
ويترتب على ذلك أيضًا صعوبة الإنفصال الذهني عن العمل لتستمتع بقليل من الهدوء الذي ظللت تبحث عنه طوال الأسبوع لكن لأكون منصفًا معك ولا أحملك عبء كل شيء دون دليل فدعنا ننظر من زاوية أبعد قليلاً ..
تخيل أنك تشاهد يومًا معتادًا لمدير مشروع.
بدأ بفنجان قهوة أو اسبريسو ثم اجتماع لمراجعة تقدم المشروع، ثم اتصال من العميل بشأن تأخير غير متوقع، ثم فنجان قهوة آخر … وخلال كل ذلك تستمر سلسلة من متابعات وقرارات تحتاج إلى استجابة سريعة في كثير من الشركات.
طوال اليوم، تحاول أن تلاحق ما يحدث، وترتب أولوياتك، وتتخذ قراراتك بسرعة حتى لا تتعطل الأمور.
قد تنجح في ذلك، وتنهي يومه راضيًا عن أدائك بنسبة ما، لكن ماذا يحدث عندما تعود إلى المنزل؟
جزء من الصعوبة التي يواجهها بعض المديرين في الاستمتاع بوقتهم الشخصي مرتبط أساسًا بهذا الإيقاع الذي اعتادوا عليه خلال يوم العمل.. لهذا قد تنتقل دون أن تدرك من الرد على الرسائل إلى تصفح مواقع التواصل، ومن متابعة مهام المشروع إلى متابعة الإشعارات، ومن اجتماع إلى آخر في العمل، إلى نشاط قصير يتبعه نشاط آخر في المنزل.
تغيّرت الأشياء التي تفعلها، لكنك ما زلت تنتقل بين الأشياء بالسرعة نفسها وكأن أحدًا يجري وراءك!
في تقرير من وكالة يوروفاوند (Eurofound) التابعة للاتحاد الأوروبي
عن الحق في الانفصال عن العمل توصل إلى أن:
80% من الموظفين يتلقون اتصالات ومتابعات خارج ساعات العمــل الرسمية
9 من كل 10 أشخاص يستجيــــــبون لهـــــذه المكالمات والرسائل
45% منهم يرون أن هذا الاتصال المستمر يضر بتوازنهم صحتهم النفسية
وهذا النمط من الاستجابة يزيد من صعوبة الانفصال النفسي عن أجواء العمل
وأيضًا يحول الوقت الذي خصصته للراحة يتحول هو الآخر إلى مجموعة من الأنشطة التي تريد الانتهاء منها.
تجلس لتقرأ كتابًا، فتجد نفسك تفكر في عدد الصفحات التي ستنهيها، وربما تمر ساعتان دون أي عمل حقيقي، ومع ذلك تشعر أنك لم تسترح وأن دماغك ما زالت بنفس مستوى الانشغال.
هل ضغوط العمل هي السبب الوحيد لتسميم إجازاتك؟
في عام 2018، تناولت الباحثة سابين سوننتاج Sabine Sonnentag ظاهرة أطلقت عليها Recovery Paradox – مفارقة التعافي
تشير إلى أن الأيام التي نتعرض فيها لضغوط عمل مرتفعة، ونصبح خلالها أكثر احتياجًا للراحة والتعافي، قد تكون هي نفسها الأيام التي نجد فيها صعوبة أكبر في تحقيق فصل الذهن عن الانشغال المستمر وبالفعل لو ركزت لدقائق قد تلاحظ هذا الأمر في يومك أيضًا:
- فبعد يوم هادئ نسبيًا، قد يكون من السهل أن تعود إلى المنزل وتجلس مع أسرتك دون منغصات
- لكن بعد يوم طويل مليء بالمقاطعات والمشكلات، ربما تجد نفسك أقل صبرًا، وأكثر ميلًا لتفقد الهاتف، وأصعب قدرة على الاستقرار في نشاط واحد.
وقد تحاول تعويض اليوم المرهق بمزيد من الترفيه، مقطع فيديو، ثم آخر. حلقة من مسلسل، ثم حلقة ثانية وثالثة. وبالتالي رغم أنك توقفت عن العمل ظاهريًا، إلا أنك لم تمنح دماغك فرصة لإعادة الضبط.
ولذلك قد يكون بالفعل مقدار الضغوط التي تتعرض لها سبب في تسميم إجازتك لكن مما لاحظته خلال عملي مع عدد من المدراء على بناء عضلة التركيز لديهم أن هناك أسباب أخرى داخلية قد لا تكون مرتبطة بالعمل من الأساس .. وهذه أرجئ الكلام عنها لوقت آخر فليس هذا مكانها الأنسب.
كيف تستخدم تقنية الجزر المنعزلة لعدم تسميم إجازتك بعد انتهاء عملك المرهق؟
قبل أن تفعل أي شيء جديد أو تضيف لنفسك أي الترامات جديدة .. “شد الفيشة” نعم كما قرأتها تخيل الأمر كما لو كنت ستفصل نفسك ذهنيا لا جسديًا فقط بعد انتهاء عملك في المكتب.
ومعناها ببساطة أن تبني عادة بسيطة قبل الانتقال من العمل إلى المنزل أو خلال أو بعد عودتك مباشرة من العمل .. تخيلها كما لو كانت حاجز مصمم عن وعي وقصد ليفصل بين جزيرتين مختلفتين جزيرة العمل وجزيرة وقتك الشخصي ووقت العائلة.
وقبل أن تخبرني أحمد هذا لا يناسب طبيعة عملي أو يجب أن أبقى على اطلاع دائم أو غيرها من الأعذار ..
سأجيبك أنه ليس كل الناس من يصلح لهم ذلك .. لكن 80% من المدراء الذين عملت معهم على هذا التحدي كانوا ينظرون للأمر بنفس منظورك الحالي أنه مستحيل وصعب وهو ما تغير لديهم بعد ذلك بسبب انتقاء الاستراتيجية الملائمة لطبيعة أعمالهم وانشغالاتهم ((بعد الخناقات الإيجابية التي أقوم بها معهم بكل تأكيد!))
النتيجة … استعادتهم لوقت نوعي خالي من المشتتات لأنفسهم وأسرهم
أفكار تطبيقية مبسطة لهذه التقنية:
يمكنك أن تنتقي منها ما يناسب ظروفك ..
☑️ إذا كنت تعمل من المنزل، مثلًا، يمكنك أن تنهي يومك بكتابة ما تبقى من مهامك، وتحديد أول شيء ستبدأ به غدًا، ثم تغادر مساحة العمل وتبتعد عن هاتفك قليلًا، لا تفتح اللابتوب أو الهاتف للعمل مهما كانت المغريات
☑️وإذا كنت تعود من مكتبك، فقد تختار بقصد أن تتمشى لدقائق قبل العودة للمنزل، وقد يكون الاستحمام أو غيره من الأشياء التي تفعلها بقصد ووعي وكأنها حاجز بين وضع العمل ووضع الراحة والاستجمام.
ليس هناك نشاط واحد يناسب الجميع، المهم أن تختار شيئًا يساعدك على ترك إيقاع الاستجابة المستمرة والمدخلات التي لا تتوقف، قبل أن تدخل في نشاط تريد الاستمتاع به.
امنح نفسك فرصة للتجربة، ولاحظ إذا كان هناك أي تغيير.

قد تحتاج إلى وقت أطول في بعض الأيام، وقد تكتشف أن المشكلة مرتبطة بمطالب العمل المستمرة أو بصعوبة إغلاق بعض الملفات قبل نهاية اليوم. عندها ستحتاج إلى التعامل مع هذه الأسباب أيضًا من جذورها لا بمعالجة سطحية للمشكلة.
الخلاصة:
خلال الأيام القادمة، انتبه إلى الطريقة التي تقضي بها أول ساعة بعد العمل.
كم مرة تتفقد هاتفك دون حاجة واضحة؟
وعندما تجلس مع أولادك، هل تستطيع قضاء وقت نوعي معهم، أم يظل انتباهك يبحث عن شيء آخر؟
إن لاحظت تكرار هذا الأمر فتذكر أنك بذلك تسمم إجازتك!
جربت حــــــــــلول كتــــــــــــــير وما ظبطت معاك؟
استكشف كيف ممكن أساعدك 👇




