في عام 2012، كان جايك ناب مؤلف كتاب make time يجلس مع طفليه في غرفة المعيشة.
كان ابنه لوك، ذو الثماني سنوات، منهمكًا في تركيب مسار قطار خشبي، بينما كان أخوه الصغير يلهو بإحدى القاطرات.
وفي لحظة ما، رفع لوك رأسه وسأل أباه:
«أبي، لماذا تنظر إلى هاتفك؟»

كان الطفل يسأل بفضول، لكن جايك لم يجد إجابة جيدة؛ فقد كان يتفقد بريده الإلكتروني.
ولم يكن هناك شيء شديد الأهمية يدفعه إلى ترك اللحظة مع أولاده والإمساك بالهاتف. كان تصفحًا عشوائيًا، أقرب إلى حركة تلقائية اعتادها.
لذلك جاءه السؤال، كما نقول، مثل «دش أو شاور بارد!»
ما الذي أفعله بهاتفي الآن أصلًا؟
ربما كانت هناك رسالة تحتاج إلى رد، وربما استطاع أن يجد لنفسه سببًا مقنعًا لفتح البريد في تلك اللحظة. لكن صدى السؤال ظل يتردد في ذهنه.
لقد كان ينتظر طوال اليوم أن يعود إلى أبنائه ويقضي وقتًا معهم، وها هو الوقت الذي أراده بالفعل، لكنه لم يكن حاضرًا ذهنيًا معهم كما يحب.
فبدأ يسأل نفسه:
ما الذي يجعلني أصل إلى البيت وأنا في هذه الحالة؟
دفعه السؤال إلى التدقيق أكثر، فانتبه إلى نمط يتكرر خلال يومه: اجتماعات، بريد وارد، رسائل، تقويم مزدحم، وانتقال تلقائي من شيء إلى آخر.
وحتى حين انتهى العمل وجلس مع أسرته، واصل النمط نفسه.
وكأن دماغه قد تدرب على التشتت.
وهنا تصبح قصة جايك أكثر إثارة للاهتمام، فهو لم يكن أبًا يقضي يومه كله في المكتب ثم يكتشف أنه بالكاد يرى أبناءه.
على العكس، كان قد بذل جهدًا كبيرًا ليصبح أكثر كفاءة في عمله، وكان يعود إلى المنزل في موعد العشاء.
وكان يعتقد أن هذه علامة جيدة على أنه استطاع تحقيق قدر من التوازن بين عمله وحياته.
حتى جاء سؤال ابنه… ليثبت عدم صحة هذا الادعاء!
يمكنك أن تغادر المكتب في موعدك،
وأن تجلس إلى جوار أبنائك. وقد تمتلك ساعة أو ساعتين كاملتين بعد عودتك من العمل لا يوجد فيهما اجتماع واحد في التقويم.
ومع ذلك يظل جزء من ذهنك عالقًا في مكان آخر: في العمل، أو الرسائل، أو شيء لم ينتهِ بعد.
وربما في الهاتف الذي تفتحه دون سبب واضح، ثم تكتشف بعد دقائق أنك تركت اللحظة التي كنت تريدها أصلًا.
قد تقول: «لكن طبيعة عملي تفرض عليّ أن أكون متاحًا. هناك أشخاص وقرارات ينتظرونني».
وشخصيًا أتفهم هذا الاعتراض لكون بعض بيئات العمل مستنزفة فعلاً .. نحن لا نعيش في كوكب موازي لأخبرك إن كله تمام أو إن الأمور بسيطة أو من السهل إنك تفصل بدون تحديات تواجهها …
وفعلاً قد يتوقف عمل الفريق على ردك، وقد تظهر مشكلة تستدعي تدخلك خارج ساعات العمل. وكلما زادت مسؤولياتك، زادت احتمالات حدوث ذلك.
لكن رغم تفهمي للشخص اللي الله يعينه في مثل الحالة السابقة إلا إني ما زلت أتحداه أو أتخانق معاه “خناقة إيجابية طبعًا :) “
بالسؤال التالي .. ماذا عن المرات التي تفتح فيها هاتفك دون أن يصلك شيء أصلًا؟
تفتح واتساب لتطمئن على جروب العمل، أو تراجع البريد مرة أخيرة، أو تتأكد أن أحدًا لم يطلب منك شيئًا. هذه المرات مختلفة.
أنت هنا لا تستجيب لمقاطعة خارجية؛ أنت تقاطع نفسك بنفسك.
وربما يصعب عليك ملاحظة ذلك، لكن من حولك قد يلاحظونه بوضوح أكبر وممكن يخبروك مباشرة “ بابا انتا مش مركز معانا”
وحتى إنهم لم يخبروك بها … جرّب أن تسأل أبناءك أو زوجتك: «برأيكم كم من الوقت اللي بقضيه معاكم بكون معاكم فعلًا… من غير موبايل أو شاشة؟»
قد لا تعجبك الإجابة .. لكنها ربما تكشف لك شيئًا لن يخبرك به عدد الساعات التي تقضيها معهم.
تشير الأبحاث إلى أن استخدام الهاتف في أغراض العمل بعد انتهاء الدوام يرتبط بصعوبة أكبر في الانفصال النفسي عن العمل، كما يرتبط بارتفاع الصراع بين العمل والحياة، وهذا يفسر جانبًا من تجربة جايك.
وكفكرة تطبيقية بسيطة يمكنك البدء بها
قم بحجز موعد على التقويم (الكالندر) ولو لنصف ساعة فقط تخصصه للأولاد ولا تتنازل عنه مهما كانت الأسباب .. هذا الوقت هو فرصتك لاستعادة وبناء علاقتك بأبناءك من جديد .. المهم في هذا الوقت أن تفهم المشتتات التي قد تسحبك أو تسرقك منهم مثل الشاشات .. ابدأ بحبسها فهي لصوص متخفية في صورة أجهزة!
الخلاصة الأهم التي أريدك أن تخرج بها من هذا المقال:
أن العمل لا يسرق وقتك وانتباههك وأنت في المكتب فقط
بل يظل معك عندما يظل ذهنك مشغولاً به حتى بعد عودتك إلى المنزل.
ولهذا فرغم بساطة هذا السؤال: «أبي، لماذا تنظر إلى هاتفك؟»
إلا أنه بحق يستحق أن يبقى عالقًا في ذهنك لتحمي انتباهك من لصوص التركيز والوقت النوعي الخاص بك وبأولادك.
حابب تسترد تركيزك بصورة مستدامة؟



